تنتقل هذه الورقة من مرحلة التشخيص إلى مرحلة التصميم، من خلال اقتراح آلية قائمة على معايير واضحة لتمثيل المجتمع المدني في مفاوضات السلام المستقبلية في السودان. فبعد مرور سنتين و نصف على اندلاع الحرب، تعرّض الفضاء المدني لتفكك حاد، وازدادت حدة الاستقطاب السياسي، كما تراجعت قدرة الفاعلين على المستوى القاعدي، بمن فيهم النساء والشباب واللجان المحلية، على الوصول إلى دوائر صنع القرار والتأثير فيها. وعلى الرغم من النشاط الكبير لهذه المجموعات على الأرض، إلا أنها تفتقر إلى الصوت والتأثير في محادثات السلام الرسمية بسبب غياب معايير أهلية واضحة وقابلة للتحقق، وآليات تفويض معقولة، وحقوق إجرائية صريحة. تاريخياً، أدى هذا الفراغ إلى هيمنة الأحزاب السياسية المنظمة والحركات المسلحة، ما أسفر عن تهميش الشبكات القاعدية الحقيقية وتحويل مشاركتها إلى شكل رمزي، الأمر الذي يضعف من شرعية واستدامة اتفاقيات السلام. تتناول هذه الدراسة العقبات الهيكلية والسياسية التي تحد من فعالية تمثيل المجتمع المدني، مستندة إلى الأطر المعيارية الدولية، ودراسات مقارنة من تونس واليمن وجنوب السودان، إضافة إلى بيانات أولية جُمعت من مقابلات شبه منظمة مع فاعلين في المجتمع المدني السوداني ومفاوضين وخبراء سياسات. تتجاوز الورقة النماذج النظرية لتطرح حلاً عملياً ومناسباً للسياق السوداني، وتحدد أزمة عميقة في القيادة والشرعية، واستقطاباً سياسياً حاداً، وفجوات كبيرة في القدرات باعتبارها التحديات الأساسية. تختتم الورقة باقتراح عملية واقعية قائمة على المعايير، تهدف إلى تعزيز شرعية وديناميكية وتمثيل المجتمع المدني. ويرتكز النموذج المقترح على إنشاء لجنة وطنية مستقلة للاختيار، وتطبيق معايير أهلية قابلة للتحقق تستند إلى المساهمات الفعلية، وضمان الحقوق الإجرائية الأساسية، إلى جانب إنشاء آلية تمويل شفافة ومحايدة.



