المؤلف/ة: عبدالحفيظ عبد الله أبكر
التاريخ: 1/11/2025
الانتساب: نشر كجزء من زمالة الديمقراطية في السودان لعام 2025م
اخلاء المسؤولية: الآراء الواردة في هذا المنشور هي اراء المؤلف (المؤلفين / ت) ولا تعكس بالضرورة السياسة او الموقف الرسمي لــــ AMEL
عن زمالة AMEL: زمالة السودان للديمقراطية هي برنامج عبر الأنترنت مخصص لتمكين الاصوات الناشئة للتأثير على المناقشات العالمية حول الديمقراطية والسلام والتنمية في السودان، من خلال سلسلة من ورش العمل التفاعلية والتدريبات ومشاريع البحث القائمة على الادلة، يكتسب الزملاء / الزميلات مهارات حاسمة في التحليل وصياغة السياسات والمناصرة.
عن الكاتب: كاتب، وباحث، وناشط في منظمات المجتمع المدني، مهتم بقضايا السلام، والنزاعات المسلحة، صاحب تجربة ميدانية مع المجتمعات المحلية في مناطق النزاعات المسلحة من خلال العمل سابقا، في عدد من منظمات مجتمع مدني، والمبادرات القاعدية، والشبكات المجتمعية، في مجالات بناء السلام، تمكين الشباب/ت، كما عملت سابقا في صحيفتي اجراس الحرية، وجريدة الجريدة، يعمل الان باحث مستقل ومدافع عن حقوق الأنسان.
مقدمة:
” إذا شاء المجتمع الدو يل الحد من مخاطر عسكرة إضافية في دارفور، فأنه يحتاج لمعالجة مسألة من له مدخل الي العملية السياسية، فالدخول مع العناصر المسلحة بدرجة رئيسية في المفاوضات ومناقشة بناء السلام، من شأنه اجبار المدنيين عمليا على العمل من خلال المجموعات المسلحة ليكون لهم صوت 1″
(كليا كاهن , 2008م)
أفرزت حرب 15 أبريل 2023م التي اندلعت في السودان واحدة من أسو أ الازمات الإنسانية على مستوى العالم. فقد تجاوز عدد النازحين داخليًا حوالي 10 ملايين شخص بحسب المنظمة الدولية للهجرة، بالإضافة إلى أكثر من 30 مليونًً يحتاجون إلى مساعدات إنسانيه عاجلة، وفق تقديرات الامم المتحدة “2” .في المقابل، تشير تقارير صحفية إلى أن ملايين النازحين لجأوا الي المناطق الواقعة تحت سيطرة الجماعات المسلحة. فقد أ كد مجيب الرحمن الزبير، رئيس السلطة المدنية التابعة لحركة تحرير السودان/عبد الواحد نور، وصول نحو 3 ملايين شخص إلى مناطق سيطرة الحركة. بينما أوضح عمار أموم، الامين العام للحركة الشعبية – شمال، أن أعداد النازحين الي مناطق سيطرتهم بلغت نحو مليون نًازح خلال العام الاول للحرب “4 “وعلى الرغم من ذلك، فإن الاضواء الاعلامية ظلت تتركز غالبًا على المواجهات العسكرية والتغيرات الجيوسياسية، في الوقت الذي تعتمد فيه حياة الملايين في هذه المناطق بدرجة كبيرة على المبادرات المجتمعية المحلية، وشبكات المتطوعين، والمطابخ المجتمعية التي توفر الغذاء والماء والرعاية الصحية الاولية. لقد استيقظ العالم في الواحد والثلاثين من أغسطس 2024م على فاجعة قرية ترسين، الواقعة في شرق جبل مرة، إحدى القرى الزراعية المهمة، التي تحولت إلى مقبرة جماعية لسكانها بعد أن جرفها الانزلاق الارضي المهول. ألف شخص قضوا تحت الانقاض، حسب مسؤول الأعلام بحركة جيش تحرير السودان/عبد الواحد النور”4”.
“الفاجعة التي حظيت باهتمام وسائل الاعلام ومنظمات المجتمع المدني العالمية حينها، وأثارت لغطا حول عدد الضحايا التي تضاربت ما بين الاعلام الرسمي للحركة وبعض المصادر المحلية والمنظمات الإنسانية ووسائل الاعلام العالمية التي قالت ان عدد الضحايا اقل بكثير مما تداولته الحركة ولاكن من جانب اخر كشفت الكارثة حقيقة الدوار المهمة للمنظمات الاهلية في ظروف العزلة خلف خطوط المواجهات العسكرية “بـــ الاراضي المحررة”. فالصورة التي تعكس مشهد القائمين على جهود الاستجابة لفي مجابهة الكارثة وهم يزيلون الأنقاض للوصول الي رفاة الضحايا بوسائل يدوية بدائية، ” مجارف يدوية، وأدوات حفر، فضلا عن استخدام الدواب في الطرق الجبلية الوعرة ” كانت ملمحا على وطأ ة الظروف التي ظلت تعمل فيها هذه المنظمات لمجابهة أهوال الحرب في العقود السابقة. غير أن هذه الجهود، على أهميتها، لم تحظَ بالدعم الكافي ولا بالحضور الإعلامي المستحق، وهو ما يجعل من الضروري العمل على إعادة الاعتبار لأدوار المجتمع المدني في هذه المناطق على المستويين المحلي والدولي “5” .
ما بين ضغوط الاستجابة ا الإنسانية وأمال التحول السياسي
تاريخياً لعبت منظمات المجتمع المدني أدواراً محورية في أوقات الازمات، سواء من خلال توفير الاحتياجات الاساسية للمتضررين (غذاء، مأوى، مياه نظيفة، رعاية طبية عاجلة) أو من خلال دعم مسارات المشاركة السياسية، والسلام، والتحول الديمقراطي.
ففي يناير من عام 2015م أطلقت الحكومة السودانية ما عُرف بعمليات “الصيف الحاسم”، في إقليمي دارفور وكردفان سعيا لإخضاع الجماعات المسلحة، لاكن كانت الحصيلة هي دمار عشرات القرى ومصادر المياه، وتفرق الآلاف المدنيين بين كهوف الجبال والوديان. كان الناس يائسون يأكلون أوراق ا لشجار، خوفاً من الذهاب إلى مناطق سيطرة الحكومة. لقد استولى العسكريون في شمال جبل مرة على شاحنات الإغاثة. كان الحصار والتجويع جزءاً من أدوات الحرب وكسر إرادة المقاومة. يقول الربيع عبد الله: “لقد كنت حضوراً في منطقة “رو كرو” حينما كان أحد الجنرالات يفاخر بأنه سيجبر هؤلاء المختبئين داخل الكهوف للحضور طائعين بحثاً عن الغذاء، و يضيف أن ذلك ما دعاه إلى انشاء منظمة بهدف دعم المزارعين لمجابهة نقص الغذاء في “الاراضي المحررة “ومع ذلك ظلت منظمات المجتمع المدني في “الاراضي المحررة” ضرورة ملحة، “6” لأسباب عدة من بينها انحصار الحضور الخدمي للدولة، وقيادة الادوار الاجتماعية والسياسية ، لكنها أيضاً ظلت مغيبة أو مهمشة، مقارنة بالاهتمام الذي يحظى به الفاعلون العسكريون، سواء في المواجهات العسكرية أو منابر التفاوض.
تعتبر تجربة اقليمي جبال النوبة (138 ألف كم2، 3 ملايين نسمة والفونج الجديد 83,500 كم2) إلى جانب مناطق واسعة من دارفور، التي تتمتع بدرجة من الحكم الذاتي منذ عقود، تعكس هذه الحقيقة حول أهمية المجتمع المدني. ففي هذه المناطق تمارس الجماعات المسلحة أشكالً من الادارة نتيجة لانحسار سلطة الدولة، في الوقت الذي تعمل فيه منظمات المجتمع المدني في ظروف معقدة، وتعاني من نقص التمويل، متأرجحةً بين الاستجابة الطارئة والمطالبة بالمشاركة السياسية.
إطار قانوني في واقع هيمنة عسكرية؟
سنت حركة تحرير السودان قانونًً خاصاً لتنظيم عمل منظمات المجتمع المدني”7″، فيما اعتمدت الحركة الشعبية دستوراً لعمل السلطة المدنية، يكرس مبد أ الفصل بين السلطات ويمنح “مجلس التحرير الثوري”8” أعلى هيئة تشريعية ا دورا رقابية تشارك فيه منظمات المجتمع المدني. ومع ذلك تبقى القيود الامنية وصعوبة الحصول على تصاريح من أبرز العقبات التي تواجه المنظمات القادمة من خارج “الاراضي المحررة”. تقول إحدى الفاعلات في منظمات المجتمع المدني، بمناطق سيطرة الحركة الشعبية – شمال: “لقد جاءت فكرة بناء شبكة لمنظمات المجتمع المدني كاستجابة ملحة لتلبية احتياجات الشباب في مناطق سيطرة الجماعات المسلحة، بهدف توفير مساحات أمنة للحوار تخاطب قضايا واهتمامات الشباب، ودعم مشاريع سبل كسب العيش.” وتضيف لقد “نجحنا في عقد عدة اجتماعات في كادوا ودارفور، رغم صعوبة الدخول والعمل في مناطق سيطرة الجيش الشعبي، إلا أن بناء الثقة كان هو العنصر المهم. ساهمت أجواء الثورة وانتفاء القبضة الامنية في تسهيل الامور. نجحنا في توفير بعض الضروريات اللازمة، ومن جانب أ خر بناء شبكة مدربة وفاعلة من النشطاء. بعد أكثر من خمس سنوات من تطور التجربة نعمل الان على إنتاج أبحاث متخصصة حول القضايا الملحة بمناطق النزاعات “9” .
لكن على الرغم من وجود قوانين تنظم العلاقة بين المؤسسات، يظل السؤال مطروحاً حول مدى استقلالية المجتمع المدني فيما يعرف بـ “ا لراضي المحررة”؟ بعض النشطاء فيما يسمى بـ “الاراضي المحررة” يرون أن المنظمات تتمتع بحرية نسبية لوجود إطار قانوني يحمي هذه المنظمات، لكن شهادات أخرى تشير إلى ضغوط واستبعاد أفراد بعينهم من قبل بعض القيادات العسكرية. ومع ذلك فإن تبني هذه الحركات لشعارات الحرية، والعدالة، والديمقراطية يوفر مظلة سياسية وأخلاقية تسهم في حماية النشطاء وتوفر قدراً من الاستقلالية حسب أخرين.
أنماط متعددة لمجتمع مدني منقسم …
يطرح كثيرون تساؤلات حول ما إذا كان يمكن لهذه النماذج المحلية أن تشكل أساسًا لتوسعة الفضاء المدني أم لا؟ فالواقع يشير إلى وجود تجارب متعددة نتيجة لاختلاف بيئات النشأ ة والتطور لمنظمات المجتمع المدني في السودان، ولتعقيدات الازمة. بعض الفاعلين المدنيين يرون أن ذلك ممكن شريطة توفر الاستقلالية والبيئة المناسبة لوجود فضاء مدني مستقل، بينما يؤكد أخرون بـ “الاراضي المحررة” أن هذه التجارب تعكس بالفعل جوهر العمل الطوعي الانساني القائم على التكافل المجتمعي، مصدر المشروعية السياسية، وهو ما يجب أن يبُنى عليه الفضاء المدني “10” .
ففي سوريا، “ومع استمرار الحرب وتصاعد وتيرة الهجمات التي يشنها نظام الاسد بشتى أنواع الاسلحة بما فيها الغارات الجوية والبراميل المتفجرة، ازدادت الحاجة الى جهود الدفاع المدني المنظم.” بدأ تشكيل فرق تطوعية محلية في نهاية العام 2012م، تتألف هذه الفرق من أفراد شجعان كانوا على استعداد للمخاطرة بحياتهم من أجل إنقاذ الاخرين، وركزوا على مهام مثل إنقاذ الناس من أنقاض المباني المقصوفة، وتقديم الإسعافات الاولية، وإطفاء الحرائق في المناطق التي مزقتها الحرب” 11″ . (تاريخ الخوذ البيضاء، 2022م). أما في رواندا، ما بعد ا الإبادة الجماعية، أثبت المجتمع المدني أهميته في توفير مساحة أ منة للحوار على المستويات الوطنية والمتوسطة والمحلية. كما أبرزت الحاجة إلى ضرورة وجود آليات تنسيق فعالة بين الدولة والمجتمع”12″ . هذه التجربة تقدم دروسًا ثمينة يمكن الاستفادة منها في السياق السوداني، خصوصًا في ظل تطاول أمد الحرب الاهلية وما أفرزتها من تعقيدات اجتماعية وسياسية.
على الرغم من ذلك، من المهم أن تعكس جهود المجتمع الدولي دعم استقلالية منظمات المجتمع المدني في مناطق سيطرة مختلف الجماعات المسلحة، وأن تعمل على تخصيص موارد مادية ولوجستية لدعم هذه المنظمات، عبر التدريب والتأهيل وتوفير قنوات للتمويل، وضمان توزيع المساعدات الإنسانية عبر أجساد قاعدية مستقلة، بعيدًا عن الهيمنة العسكرية أو السياسية، وتمكين المنظمات القاعدية من المشاركة المباشرة في عمليات السلام والتحول الديمقراطي، بما يعزز أصوات المجتمعات المحلية، وربطها بمؤسسات إقليمية ودولية معنية بحقوق الأنسان والمصالحة لضمان سلام دائم.
خاتمة:
إن ما أفرزته وقائع حرب 15 أبريل من نزوح واحتياجات إنسانية، فيما يعرف بـ “الاراضي المحررة”، مثل ضغطًا هائلاً على كاهل المبادرات والمنظمات الاهلية. رغم تركيز الأعلام على المواجهات العسكرية، إلا أن هنالك أدوارًا عظيمة للمجتمع المدني، يقابلها غياب الدعم والمناصرة، وضعف الاطر القانونية التي تحمي هذه المنظمات، وقابلية الاعتراف والاحتفاء بالنماذج المحلية كأحد الانماط المتعددة في مسار توسعة الفضاء المدني، مع استلهام التجارب العالمية لتعزيز قدرة المجتمع المدني على النهوض. إن ترك الفضاء السياسي والاجتماعي فيما يعرف بـ “بالأراضي المحررة” رهيناً لهيمنة الجماعات المسلحة قد يطيل أمد النزاع وينتج حلولا هشة ويفتح الباب لتمدد مساحة العسكرة والتمليش. وفي ظل تسيس الخدمات والمساعدات ا الإنسانية، تبرز المسؤولية أمام المجتمع الدولي في دعم استقلالية منظمات المجتمع المدني، من خلال إيجاد أطر نظرية وعملية مع الجماعات المسلحة، وإصدار تشريعات تضمن تبني ممارسات تحمي وتعزز استقلالية المجتمع المدني وتخصيص موارد مادية ولوجستية، وفتح قنوات للتمويل، والتدريب، وربطها بمؤسسات إقليمية ودولية معنية بحقوق ا الأنسان، وإشراكها في جهود إحلال السلام. فالمدخل الرئيسي للحد من مخاطر العسكرة ليس فقط بالاستجابة للازمة ا الإنسانية الراهنة، بل أيضًا في بناء أسس الحوار القائم على العدالة والمشاركة في احلال السلام الدائم، وهو ما لا يمكن أن يكون إلا بوجود مجتمع مدني فاعل.
قائمة المصادر والمراجع
المقابلات الشخصية
- مقابلة: الربيع عبد الله، ناشط في منظمات المجتمع المدني، مناطق سيطرة حركة جيش تحرير السودان / عبد الواحد 1 أكتوبر 2025م
- مقابلة: نفس المصدر 1 اكتوبر
- مقابلة: مستشار قانوني، مناطق سيطرة حركة جيش تحرير السودان / عبد الواحد نور 1 أكتوبر 2025م.
- مقابلة: قاضي، مناطق سيطرة الحركة الشعبية لتحرير السودان شمال،2 أكتوبر 2025م
- مقابلة: ناشطة في منظمات المجتمع المدني، مناطق سيطرة الحركة الشعبية بتحرير السودان شمال، 2أكتوبر 2025م
- مقابلة: نفس المصدر2 أكتوبر 202م
قائمة المصادر الثانوية
- كليا كاهن، صراع وأسلحة وعسكرة: ديناميات مخيمات المشردين داخليا في دارفور، المعد العالي للدراسات التنموية، جنيف 2008م
- حوار مع نائب مدير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بالسودان: ادمور توندلاند، اجراه خالد هريدي، الموقع الالكتروني للأمم المتحدة. فبرير 2025م.
- تحرير السودان تعلن المجاعة في كمناطق سيطرتها، صحيفة دارفور 24
- الشعبية تعلن عن مجاعة في مناطق سيطرتها بجنوب كردفان والنيل الأزرق، صحيفة سودان تريبون الالكترونية , 13 أغسطس 2025م ,
Famine tightens grip on Sudan’s Nuba Mountains….
- تاريخ الخوذ البيضاء، الموقع الالكتروني للمنظمة، تاريخنا | الخوذ البيضا
- المصالحة الرواندية: التجارب و الدروس المستخلصة، معهد الجامعة الاوربية , المصالحة الوطنية في رواندا التجارب والدروس المستخلصة



